أحمد بن محمد ابن عربشاه

279

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فأدى به الذهاب إلى بستان بجوار بيت القصاب فدخل البستان وامتد في الجريان ، والقصاب وراءه بهيئته المهولة والسكين في يده مسلولة ، وكان قبل هذا الزمان بين زوجة القصاب وصاحب البستان ما يكون بين الحرفاء والأخدان « 1 » ، وكانت كلما وجدت فرصة جعلت للبستاني من نفسها حصة ، تنزل من بيتها إلى بيته ، وتغمس سراجها من فتيلة قنديله وزيته ، فاتفق أن في تلك الحال طلب كل من المحبين الوصال ، وكان زمان اشتغال اللحام بالمعاملة مع الخاص والعام ، فلاشتغال وهله لا يتردد فيه إلى أهله ، فاغتنمت الزوجة غفلة الرقيب ونزلت من بيتها إلى بيت الحبيب ، فكان المحبان آمنين وقد تعانقا تحت دوحة ياسمين ، فاتفق أن الهارب من الموت ودواهيه أخذ على مكان هما فيه والقصاب يتبعه رافعا يده والسكين في يده مجردة ، فلم تشعر إلا وزوجها رافع الصوت واقف على رأسها وبيده آلة الموت ، وما شعر بدواهيهما حتى عثر عليهما ، فقفز كلاهما من مكانهما مفتضحين في مكانهما ، فاشتغل القصاب بنفسه ، والتهى بنعجته عن تيسه ، وكان الناس تابعيه فوقفوا على ما وقع فيه ، وقامت الغوغاء وقعدت للعار من البلاء فتفرس النجاة من الردى ، فلم يزل في ميدان الجرى ذاهلا عما جرى ؛ حتى وصل إلى ثغرة خرج منها إلى الصحراء فانقطع عن ذلك الجنى تابعه ، ولم يوجد من شياطين الإنس رائيه وسامعه ، فانتهى به التسيار في تلك الصحارى والقفار إلى جبل فأوى فيه إلى غار كان يأوى إليه مع المواشي أوان الأمطار ، فأمسى فيه تلك الليلة إلى وقت الأسفار : فلما رأى اللّيل العبوس صنيعه * تبسم فافترقت تباشير فجره فلما أصبح الصباح خرج إلى السّراح وهو في نشاط ومراح ، وجعل يرتاد أنيسا ليكون له جليسا ، أو رفيقا صالحا أو صديقا ناصحا ، يتأنس به في

--> ( 1 ) أخدان ، مفردها خدن : الحبيب والصاحب .